الأبعاد التربوية في سورة البقرة (2)
  » الكاتب: السيد محي الدين   |   2005-12-05م

(إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)

   تتجلى في هذه الآية تربية روح الوعي في التعامل مع الأصناف المختلفة في المجتمع،وأهم المعالم التربوية فيها هي
1) التربية المجتمعية،أي تربية قدرة التعرف على المجتمع،وما فيه من العينات المتعددة والمختلفة والتي منها المتقين الذين تقدم الحديث عنهم وعن صفاتهم،والذين كفروا الذين هم مورد الحديث في الآية،والمتظاهرين بالإيمان كما سيأتي الحديث عنهم.
2) التعرف الهادف على الأصناف المجتمعية،فإن التقسيم المجتمعي قد يكون متعددا ومتكثرا،كالتقسيم للفقراء والأغنياء والأصحاء والمرضى،ولكن القرآن لما لم يكن له هدف بتلك التقسيمات وإنما كان هدفه بالتقسيم المرتبط بالهداية والضلال ذكر خصوص الأقسام الثلاثة.
3) تربية الاستفادة من الطاقات وتسخير الجهد والوقت فيما يمكن أن يتحقق معه الأثر،وأما ما لا أثر فيه،فلا ينبغي إضاعة الجهد أو الوقت فيه.
   وربما يقال إن الآية دالة بإطلاقها على عدم الدعوة إلى الله إذا كان المدعوين من الذين كفروا،إلا أن هذا لا يمكن الالتزام به،لما ورد من النصوص الكثيرة كتابا وسنة على ضرورة الدعوة إلى الله سواء كان المدعوين كفارا أم غيرهم،لذلك لا بد أن نحمل الآية هنا على خصوص الذين نعلم مسبقا بعدم تأثرهم بالدعوة وتفاعلهم معها خصوصا،دون من نحتمل فيهم التأثر والتفاعل.
ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم،وعلى أبصارهم غشاوة،ولهم عذاب عظيم
   للمفسرين في هذه الآية سيل عرم من البحوث اللغوية،والعقدية التي ترتبط بالجبر والتفويض،وغيرها،ولكن أهم معالم البحث التربوي فيها هي
1) التربية العقلية التي تتعامل مع البرهان،على أساس أن الآية الشريفة تتحدث عن الدليل الذي من أجله لم تكن الدعوة للكافرين نافعة،وهو أنه ختم الله على قلوبهم،وعلى سمعهم،وأن على أبصارهم غشاوة،فكأن الآية تريد أن تتحدث عن حالة من فقدان وسائل التأثر المعرفية لدى هؤلاء الكافرين،وهي أدوات الحس التي تمثل رأس المال لدى الإنسان الذي يريد أن يهتدي،لذلك نستفيد كما حملنا الآية السابقة على أن الدعوة تسقط عنا تجاه كل من أهمل الاستفادة من أدوات المعرفة التي أعطاها الله إياه،أو كان مصرا على عدم التأثر بالدعوة التي تأتيه من الله أو من عبيد الله،وهو البرهان الذي تقدمه الآية الشريفة على عدم جدوى الدعوة معه،وهو المعلم التربوي الواضح فيها.
2) التربية الاستدلالية،وهي أن الآية الكريمة تعلمنا أن نستدل على مطالبنا عندما نتحدث بها،وهو ديدن القرآن في كل دعاواه التي يدعو إليها،فلا يطلق الدعوى إلا معها دليلها الذي يثبتها.
3) تربية البصيرة من خلال ذم هذه الحالة التي تتجسد في تعطيل كل الوسائل التي من شأنها أن تسخر في الوصول إلى أرقى حالات المعرفة.
4) تقويم الحواس فيما يمكن أن يرقى بالإنسان في معرفة الله تعالى،وذلك على أساس أن الكافرين لم يعطلوا حواسهم عن الاستفادة إذ أنهم استفادوا منها،لكن لم تكن الاستفادة في الطريق الصحيح،لذلك يمثل هذا الذم لهم ذما لسوء الاستفادة منها،الأمر الذي يحتم على كل عاقل تقويم الاستفادة منها.
5) تربية روح الارتباط بالله والتوكل عليه،من خلال الدعاء بأن لا يكون الإنسان ممن ختم على أعضائه وجوارحه.